فخر الدين الرازي
231
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : اللام في قوله : لِتُبَيِّنَ تدل على أن أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ [ إبراهيم : 1 ] وقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل . المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : قوله : هُدىً وَرَحْمَةً معطوفان على محل قوله : لِتُبَيِّنَ إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام في قوله : لِتُبَيِّنَ لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل . المسألة الرابعة : قال الكلبي : وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] لا ينفي كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في قوله : هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [ البقرة : 185 ] وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به ، كما في قوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] لأنه إنما انتفع بانذاره هذا القوم فقط ، واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 65 إلى 67 ] وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) [ في قوله تعالى وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ] اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة : الإلهيات والنبوات والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر ، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الإلهيات ، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات ، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الإلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية ، وثنى بالإنسان ، وثلث بالحيوان ، وربع بالنبات ، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض ، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولا بذكر الفلكيات فقال : وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها والمعنى : أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض ، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر ، وينفع بعد أن كان لا ينفع ، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارا كثيرة . ثم قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع . [ في قوله تعالى وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ إلى قوله سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ] والنوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله : لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ * [ آل عمران : 13 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي : نُسْقِيكُمْ بضم النون ، والباقون بالفتح ،